الجهر بالدعوة
الجهر بالدعوة
نزل جبريل الامين على رسول الله ليردد على مسامعه قول الله تعالى ( وانذر
عشيرتك الاقربين ) وكانت تلك الاية أيذانا له ليجهر بالدعوة فتسطع كالشمس المشرقة
امام الجميع فكان اول ما فعله رسول الله انه دعا بني هاشم فحضروا و نفرمن بنى
المطلب بن عبد مناف ؛ فكانوا جميعا خمسة واربعين رجلا فلم تم اجتماعهم قام رجل
احمر الوجه احول العنين وهو عم الرسول ويدعى عبد العزى ولقبه ابو لهب فلم قام قال
لرسول الله : وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصباه واعلم انه ليس لقومك
بالعرب قاطبة طاقة ؛ وانا احق من اخذك ؛ وحسبك بنو ابيك ؛ وان اقمت على ما انت
عليه فهو ايسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب فما رأيت أحد جاء على
بنى ابيه بشر مما جئت به ؛ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم فقد افسد
ابولهب بكلامه الجو الذى هيأه لدعوتهم الى الإسلام فأثر انتظار فرصة اخرى وانفض
المجلس على ذلك ؛ وكان ابو لهب عمه قد بلغه ما يدعو اليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم فوقف منه موقف العداء وقال ما قال .
ولم يمضى وقت طويل حتى دعاهم رسول الله ثانية فلم اتو جميعا : قال : الحمد
لله أحمده وأستعينه ؛ وأؤمن به ؛ واتوكل عليه واشهد ان لااله الاالله وحده لا شريك
له .ثم قال ان الرائد لا يكذب اهله والله الذى لا اله الا هو ؛ انى رسول الله
اليكم خاصة ؛ والى الناس عامة ؛ والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون
ولتحاسبن بما تعملون وانها الجنة ابدا او النار ابدا .
فقال عمه ابو طالب : ما احب الينا معاونتك ؛ واقبلنا لنصيحتك ؛ واشد
تصديقنا لحديثك وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون ؛ وانما انا أحدهم غير انى اسرعهم الى ما
تحب فامض لما أمرت به فوالله لا ازال احوطك وامنعك غير ان نفسى لا تطاوعنى على
فراق دين عبد المطلب .
فقال الاحوال ابو لهب فى صخب : هذه والله السوأة ؛ خذوا على يديه قبل ان يأخذ غيركم ؛ فقال ابو طالب فى حزم : والله لنمنعنه ما بقينا . فجلس ابو لهب ولم يتكلم فأبوا طالب أخيه الاكبر . فلم تأكد رسول الله من تعهد ابو طالب بحمايته ؛ وهو يبلغ عن ربه .
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى احد الايام على جبل الصفا احدى جبال مكة فصرخ بأعلى صوته
: يا صباحاه وكانت تلك صرخة انذار بالخطر فأخدت بطون قريش يسرعون اليه فلم اجتمعوا
اليه اسفل الجبل .
قالى : " يا بنى عبد المطلب ! يا بنى فهر ! يا بنى كعب ! أرأيتم لو
أخبرتكم ان خيلا بسفح هذا الجبل تريد ان تغير عليكم ؛ أكنتم مصدقى ؟
فتعالت اصواتهم تقول : نعم ! ما جربنا عليك الا صدقا .
فقال : فأنى نذيرا لكم بين يدى عذاب شديد .
فقال الاحوال ابو لهب بصوت من انكر الاصوات : تبا لك سائر اليوم اما دعوتنا
الا لهذا ؟
فلا وربك ما قالها حتى كان جبريل يشق السموات السبع ويبلغ الرسول صلى الله
عليه وسلم قول الله الملك الخلاق القاضى بين الناس يوم البعث والحساب تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا
كَسَبَ(2) سَيَصْلَىٰ
نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ
حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي
جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)
أصبحت تلك الايات يتلوها المؤمنون
بمكة .
فقال ابو لهب لابنيةعتبه وعتيبة: رأسى فى رؤؤسكما حرام ان لم تطلقا ابنتى
محمد وكان عتبه متزوج من رقية بنت الرسول الكريم وعتيبه متزوج من ام كلثوم بنت
رسول الله .
وقالت ام جميل زوجة ابو لهب وكانت عوراء وكانت هى التى تحرضه على عداوة
رسول الله . قالت لابنائها : طلقاهما يا بنى ! فأنهما صبأتا .
فطلق عتبه رقية وعتيبه ام كلثوم ثم انطلق عتيبه الى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فلم جاءه قال له : فارقت ابنتك لا تجيئنى ولا اجيئك ثم سطاعليه فشق قميص
النبى صلى الله عليه وسلم .
فقال رسول الله : اما انى اسال الله ان يسلط عليك كلبه .
ام جميل زوجة ابو لهب
وبينما رسول الله جالس مع ابو بكر فى المسجد الى جوار الكعبة واذ بالعوراء
ام جميل زوجة ابو لهب قادمة نحوهم وفى يدها حجر
وعلى وجهها سحائب الشر فلما وقفت امامهم قالت : يا ابا بكر اين صاحبك ؟ فقد
بلغنى انه يهجونى ؛ والله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه والله انى لشاعرة ثم قالت
/
مذمما عصينا وأمره أبينا
ودينه قلينا
ثم انصرفت .
فقال ابو بكر : يا رسول الله اما تراها رأتك .
فقال : ما رأتنى لقد اخذ الله ببصرها عنى .
وما مضت عدة اسابيع حتى جاء الخبر بموت عتيبه وكان سبب ذلك ان عتيبه خرج مع
تجار قريش قاصدا الشام حتى نزلوا بمكان يقال له الزرقاء ليلا فطاف بهم تلك الليلة
أسد فجعل عتيبة يرتعد خوفا وفرقا ويقول : ويل امي هذا والله أكلى كما قال محمد ؛
قاتلى ابن ابى كبشة وهو بمكة وانا بالشام .
وكان كفار مكة قد اخذوا يطلقوا على رسول الله لقب ابن ابى كبشة نسبة الى
ابى كبشة زوج حليمة السعدية التى ارضعته وهو صغير استهزاء به وتحقيرا له .
فانصرف الاسد ولكن بلغ الرعب مبلغه من عتيبه فمحمد لم يكذب قط فأراد اصحابه
ان يدخلوا الطمأنينة عليه فجعلوه فى وسطهم ؛ فلما ناموا اقبل الاسد فتخطاهم حتى
اخذ برأس عتيبه ففلقه وهكذا استجاب الله دعوة نبيه .
واخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعوة الى الله فعم وخص واخذ يقف
على المجامع والمجالس ويقول : يا معشر
قريش أنقذوا أنفسكم من النار ؛ يا معشر بنى كعب أنقذوا أنفسكم من النار فأنى والله
لا أملك لكم من الله شيئا الا أن لكم رحما سأبلها ببلاها .
ولم يزل هذا الصوت يدوى فى ارجاء مكة حتى نزل على الرسول قول الله "
فاصدء بما تؤمر واعرض عن المشركين " فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يسخر
من خرافات الشرك ؛ ويذكر حقيقة تلك الاصنام الصماء والبكماء ويضرب بعجزها الامثال
ويبين ان من عبدها وجعلها وسيلة بينه وبين الله فهو فى ضلال مبين .

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقا ان كان لديك اى استفسار